|
بسم الله الرحمن الرحيم
هل أنت مشغول ؟
كثيرا ما يصادفك الأشخاص الذين يعتذرون منك
بالشغل ويقول ( والله إني مشغول )
عبارة نسمعها ونرددها كثيرا ..
والسؤال المهم هو : مشغول بماذا ؟؟
لا شك أن عبارة مشغول أفضل من كلمة ( فارغ
) أو (فاضي) ، ولكن إذا كان الشغل المزعوم لا قيمة له ،
فهو أسوأ من الاعتراف بالفراغ .
هناك من الناس من هو مشغول بلا شيء ، بمعنى
أنه مشغول بأعمال لا قيمة لها لا في الدنيا ولا في الآخرة
، خذ مثلا :
·
مشاهدة القنوات وما فيها من الأفلام
والمسلسلات والأغاني والرقص،وكذا برامج المسابقات الهابطة
والاحتفالات الفارغة . أذكر أنه في إحدى الإحصائيات
الاستعراضية لشريحة من عامة الناس ومن مختلف الأعمار ،
ذكروا أنهم يشاهدون التلفزيون بمعدل 3- 4 ساعات يوميا ،
والحال نفسه لا يقل في متابعة المواقع الالكترونية الهابطة
.
·
معظم الناس يستهلك منهم القيل والقال أو ما
يسمي بالسوالف ، وقتا لا يقل عن ساعتين إلى ثلاث ساعات
يوميا .
·
المشاوير والتنزه والتماشي (كما يسميها
البعض ) تأخذ وقتا ليس باليسير، في الأسبوع لا تقل عن
مرتين ، والنزهه الواحدة أو التمشية لا تقل عن أربع ساعات
. ومثله التسوق الدائم،التجوال في الشوارع .
·
التجمعات الشللية مع الأصدقاء، والدوريات
بين الزملاء في المقاهي والاستراحات والشقق والبيوت .
أكثر من مرة في الأسبوع 3-5 ساعات .
·
مشاهدة المباريات ومتابعة الدوري المحلي
والدولي تأخذ ما يقارب الساعتين في المرة الواحدة فكم تكون
في الأسبوع .
عند النوم وفي نهاية كل يوم يمكن أن يسأل
الواحد منا نفسه هذا السؤال : ماذا أنجزت من أعمال نافعة
ومفيدة ، وتزيد في ميزاني عند الله ؟ ويحسب الوقت الذي ضاع
عليه بدون فائدة تذكر ، سيجد قطعا ما يستحق التوقف والتأمل
وإعادة النظر في مسار حياته ، إن كان من العقلاء !!
ابن القيم -رحمه الله- يتكلم عن أمراض
القلوب فيذكر منها :
فضول الكلام – فضول النظر – فضول الاستماع
- فضول الخلطة ( العلاقات الاجتماعية )
والفضول هنا هو :( الشيء الزائد عن
الحاجة) .
الواحدة من هذه مشكلة فكيف إذا كانت مجتمعة
في الواحد منا؟؟!
لنعلم أن المتعة والتسلية المباحة مطلوبة
ولكن في حدودها الصحيحة وفي وقتها الصحيح . ولكنها ليست
الأصل في حياة الإنسان ، وتأمل قول ربنا تبارك وتعالى : (
يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه . فأما من
أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا ، وينقلب إلى
أهله مسرورا ، وأما من أوتي كتابه من وراء ظهره فسوف يدعو
ثبورا ويصلي سعيرا ، إنه كان في أهله مسرورا ... )
الكثير جدا من الناس ينزع دائما إلى المتعة
والتسلية ، ويبحث عن الدعة والراحة ، وينشد المرح واللعب ،
ويريد أن يمضي الوقت كله بين ذلك ومنه وإليه ، وما علم
المسكين أن حاله هذا يشبه تماما ، من حصل على مبلغ كبير من
المال ، ثم أخذ يرمي هذا المال ويعبث به ذات اليمين وذات
الشمال ، ولم يفكر ولو للحظة واحدة كيف يستثمره وينميه
ويستفيد منه ويستمتع به بطريقة معقولة وبصورة عملية .
وبمرور الأيام نفد المال وأفلس صاحبه ، وانتقل من حال
الغنى والترف ، إلى عداد الفقراء والمعوزين . وكثر حوله
الشامتون والساخرون من سوء تصرف هذا الإنسان المغفل .
من يهدر وقته أعظم جناية ممن يضيع ماله
بمثل ما ذكر ، وحسرته وندامته في الآخرة ستكون أعظم من
حسرة وندامة من ضاع ماله وانقلب حاله .
وقتك وعمرك هو رأس مالك ، ودنياك مزرعتك
للآخرة ، وصحتك وعافيتك قوتك وطاقتك في الوصول إلى أعلى
الرتب والمنازل . ورغد العيش الذي تنعم به سلاح لك أو عليك
.
وقف رجل مع نفسه وقد بلغ الستين من عمره ،
وأخذ الشيب مجراه في وجهه ، فتأمل وسأل نفسه وقال : لو أنا
عصيت الله في كل يوم معصية من بعد البلوغ فكم تكون ذنوبي
حينئذ ؟ فلما حسبها وجدتها تتجاوز 16000 الستة عشر ألف ذنب
-والعياذ بالله - فقال : يا الله ، أأقبل على ربي بأكثر
من ستة عشر ألف ذنب ؟
كيف النجاة وكيف الخلاص ؟ ثم شهق شهقة وقع
بعدها ميتا ، خوفا وفرقا من الله العزيز الجبار .
وقيل أنه رؤى في المنام بعد ذلك في أحسن
حال وصورة فقيل له : ماذا فعل الله بك ؟ فقال: غفر لي
وأدخلني الجنة ، قيل : بسبب ماذا ؟ قال : بصدق محاسبتي
لنفسي ، وخوفي منه .
هذا إذا كان كل يوم ذنب ، فكيف نقول : نحن
أصحاب الذنوب الكثيرة في اليوم الواحد ، نسأل الله العفو
والعافية .
يعيش الإنسان ثم يموت ولا يبقى من ذكره إلا
ما بقي له من اثر في حياة الناس يذكرونه به ، ولم ولن
يتحدث الناس حتى أقربهم إليه عن أعماله الفارغة التي كان
يقتل وقته بها .
ورحم الله الحسن البصري إذ يقول :
يا ابن آدم إنما أيام إذا نقص يوم نقص بعضك
|